السيد عبد الله شبر

617

مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار

باستحباب الوفاء بالوعد مع القول بأنّ خلفه كذب حرام متضادّان . وأجيب بأنّ المواعيد من قبيل الإنشاء لا الإخبار . وأجاب المحدّث الشريف الجزائريّ بجواب آخر مبنيّ على مقدّمة ، وهي : أنّ دلالة الإنشاء كالأمر والنهي على الأحكام دلالة مطابقة مفهومة من نفس اللفظ ، وأمّا الخبر فقد يتضمّن الحكم أيضاً ، إلّاأنّ دلالته عليه بالتبع والالتزام ويحتاج في تحقيق تحصيل الحكم إلى الدليل من خارج مثل قوله تعالى : « وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ » « 1 » ؛ فإنّه خبر دالّ على الحكم ويحتاج إلى الدليل من خارج . إذا عرفت هذا فاعلم أنّ قولك : أزورك غداً خبر تضمّن الوعد بالزيارة ، فإن كان الوفاء بالوعد واجباً من دليل خارج كان الخبر متضمّناً لحكم واجب ، فإذا أتى به صدق وعده فأثيب على الصدق ، وأتى بالحكم المدلول على وجوبه فأثيب عليه أيضاً ، وإن كان الدليل الخارج دالّاً على الاستحباب - كما هو المشهور - كان الوفاء به مستحبّاً ، وكان هذا الحكم المندوب داخلًا في هذا الخبر ، مستلزماً له ، إلّاأنّه إذا لم يف به يكون تاركاً للمندوب وكاذباً في خبر المشتمل على ذلك الحكم ، فيكون عاصياً بالكذب ، مرتكباً للحرام ، لكنّه غير معاقب على ترك ما اشتمل عليه من الحكم المندوب . ويوضح هذا أنّ قولك : اصلّي نوافل الظهر غداً ، لا تصيّر النوافل واجبة غداً ، بل هي باقية على الاستحباب ، ومتى أخلّ بها غداً يكون مؤاخذاً على كذبه على تقدير الوجوب لا على ترك النافلة . وكذا إذا قال : أنظر غداً إلى السماء ، فقد تضمّن هذا الخبر حكماً مباحاً ، إلّاأنّه لو لم يأت به غداً يكون تاركاً للمباح غير مؤاخذ على هذا الترك ، وإن كان مؤاخذاً من حيث الكذب ، أمّا لو قال لصاحبه : سأزني معك غداً ، فالشارع هنا قد نهاه عن هذا الصدق فلا يعاقب على هذا الكذب ، بل يثاب عليه . وبالجملة ، فلا منافاة بين قولهم باستحباب الوفاء بالوعد وعدم جواز الكذب فيه ، وهم لم يصرّحوا بجواز الكذب هنا ، وإنّما نصّوا على استحباب الحكم ، فيكون خبراً

--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 228 .